مناطيد الغذاء تحاكم المتخاذلين عن نجدة غزة

38serv

+ -

في الوقت الذي كان من المفروض أن يتم إدخال المساعدات الإغاثية لسكان غزة المحاصرين، ضحية عدوان عسكري تنفّذه دولة الكيان الصهيوني بدعم أمريكي، تنفيذا لقرارات مجلس الأمن، لجأت دولا عربية وغربية من بينها الولايات المتحدة، إلى إنزال المساعدات جوا، في مشهد كشف عورة المنظومة الدولية والسقوط الأخلاقي الذي وصلت إليه المجموعة الدولية، بالإمعان في إهانة وإذلال مستضعفي غزة ممن نجوا من همجية الاحتلال.

يتم التسويق لعملية إنزال المساعدات الإغاثية لسكان قطاع غزة، بأنها إنجاز تاريخي يحسب للدول التي تدير وتنفّذ هذه العمليات. وكانت الأردن سبّاقة في إرسال المساعدات ورميها جوا، ثم انخرطت عدة دول، منها عربية وغربية على غرار بلجيكا، والمثير للعجب هو انضمام الولايات المتحدة لهذه العملية.

إلقاء المساعدات جوا لم يكن بسبب صعوبة التضاريس أو سوء الأحوال الجوية أو انهيار بنى تحتية نتيجة كوارث طبيعية، ولكن بسبب كيان صهيوني مارق خارج عن القانون يمارس الإرهاب وينفّذ إبادة جماعية في حق مدنيين محاصرين برا وجوا وبحرا، ويمنع دخول المساعدات على مدار خمسة أشهر، فارضا منطقه على الجميع بالرغم من صدور قرار من مجلس الأمن يدعو إلى رفع العراقيل عن وصول المساعدات لسكان غزة. وتشير آخر الإحصائيات إلى أن عدد الأطفال الذين لقوا حتفهم بفعل الجوع ارتفع إلى 16 طفلا، في حين يوجد أكثر من 202 مليون غزي معرّض للمجاعة.

إن الدول العربية وعلى رأسها دول الطوق، تقع عليها مسؤولية كبيرة بخصوص إدخال المساعدات إلى قطاع غزة، فبدلا من استخدام أوراق الضغط التي تملكها، وهي كثيرة، على الكيان الصهيوني، لإجباره على رفع حصاره عن القطاع، أو على الأقل رفع العراقيل في وجه المساعدات الإنسانية، لجأت إلى الحلول السهلة والمهينة، بإلقاء المساعدات جوا وطبعا بالتنسيق مع الكيان، ولأن النوايا غير صادقة، فإن جزء من هذه المساعدات رمت بها الرياح نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة وكأن حتى الطبيعة ترفض هكذا نوع من المساعدات.

لكن الذي لم يخطر على بال أحد، أن تنخرط الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الجهود وتعلن عن إرسال مساعدات إلى سكان غزة جوا، في وقت هي شريكة في الإبادة وشريكة في الحصار وهي من توفّر الحماية والحصانة للكيان الذي يستقوي بالإدارة الأمريكية أصلا.

الموقف الأمريكي المرتجف، تكشف عنه تضارب في تصريحات المسؤولين الأمريكيين. ففي الوقت الذي تدافع واشنطن عن الكيان وتنفي وجود إبادة، تخرج نائبة الرئيس الأمريكي، كامالا هاريس، بتصريحات اعتبرت بمثابة إعتراف أمريكي بالجرائم التي ترتكبها حليفتها عندما قالت بأن "ما نراه يوميا في قطاع غزة مدمّر"، وحثت الحكومة الإسرائيلية على بذل المزيد من الجهود لزيادة تدفق المساعدات إلى غزة، قائلة إنه "لا أعذار"، وإن سكان القطاع يعانون من كارثة إنسانية. وقالت إن كثيرا من الفلسطينيين الأبرياء قتلوا، وإن الذين كانوا يبحثون عن مساعدات في غزة قوبلوا بالأعيرة النارية وبالفوضى.

هذه التصريحات التي وصفت بالحادة، تثبت الجريمة أكثر على الولايات المتحدة كونها تدرك بأن ما تقوم به دولة الاحتلال خارج عن القانون، ومع ذلك تسمح لها بمواصلة ارتكاب المزيد من الجرائم بإفشالها على ثلاث مرات صدور قرار أممي يقضي بوقف إطلاق النار.

إن مشاهد أطفال ونساء وشيوخ غزة وهم يتسابقون في اتجاه المناطيد السوداء المحمّلة بالمساعدات، مهينة للكرامة الإنسانية وتضرب كبرياء سكان غزة، لكنها في الوقت ذاته تعتبر محاكمة أخلاقية لكل الدول العربية والإسلامية وللإنسانية، وهي حكم إعدام معنوي لكل الدول المتواطئة مع الكيان والمطبّعة معه، وعلى رأسهم الدول العربية والإسلامية التي لا تزال تدعم الكيان في حربه بإبقاء العلاقات قائمة مع الكيان الإرهابي والتجني وتسفيه وتتفيه المقاومة.