
38serv
يُعد تبذير الخبز في الجزائر إشكالا اجتماعيا وتربويا وكذا اقتصاديا كونه يعكس ظاهرة استهلاك سلبية لدى العائلات الجزائرية وهي موجودة على مدار أيام السنة، غير أنها تتضاعف بحلول شهر رمضان. مع الأسف يكاد لا يخلو حي أو شارع أو بيت من كيس يحتوي على كميات كبيرة من الخبز اليابس وهي مشاهد باتت معهودة بجميع مناطق الوطن. ما الذي يجعل الجزائري يبذر الخبز بكميات كبيرة رغم أنه يقدسه؟
حصل تغيّر كبير في تركيبة المجتمع الجزائري، عندما تمدّن الريف بعض الشيء، فلم تعد العائلات تنتج خبزها منزليا. و معروف عن الجزائري أنه عندما يجدقطعة خبز مرمية، يحملها ويقبّلها بشفتَيه ويضعها على جبينه، في عادة متوارثة تظهر احترام هذه النعمة المقدسة. ويعبر الجزائري عن الشغل بالعبارة الدارجة "نصور خبزتي". ولم تكن العائلات الجزائرية تعمد إلى رمي الخبز اليابس في العقود السابقة، بل كانت تعيد تحويله لتستخدمه في وجبات غذائية لها أو لبعض الحيوانات الأليفة مثل الدجاج.
يرمي الجزائري 10 ملايين خبزة يوميا
ويصنف الشعب الجزائريمن بين أكثر شعوب العالم استهلاكا وتبذيرا لمادة الخبز، وتحديدا الخبز الأبيض الذي يباع في المخابز والأكثر استهلاكا كونه جاء ليعوض الخبز التقليدي الذي كان حضوره في السابق على مائدة الجزائريين شيئا مفروغا منه ولا يمكن الاستغناء عنه.ومع العرض المتنوّع في المخابز وسعر الخبز الزهيد في الجزائر، مقارنة بدول أخرى كثيرة، فإنّ الجزائري يطلب كميات من الخبز أكبر من حجم استهلاكه. بحيث أصبح يشكل الخبز 18 بالمائة من مجموع ما يبذره الجزائريون خلال سنة وهو ما يمثل قرابة 10 بالمائة من مجموع الخبز الذي يتم شراؤه. وحسب أرقام سابقة نشرتها الوكالة الوطنية للنفايات، فإن الجزائريين يرمون ما مقداره 912 مليون خبزة سنويا. بينما تكشف الأرقام التي نشرتها سابقا المنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك ومحيطه أن المخابز تنتج يوميا 50 مليون خبزة فيما يرمي المواطن 10 ملايين خبزة يوميا.وهناك من يرجع الظاهرة إلى إقدام المواطنين على شراء الخبز المدعم بكميات مضاعفة من دون مراعاة حجم الاستهلاك العائلي.
ومن بين العوامل التي تدفع الجزائريين إلى رمي الخبز هي نوعيته الرديئة، حيث أن الخبزة سرعان ما تتحول بعد 12 ساعة إلى 20ساعة إلى شبه عجين مطاطي يصعب هضمه بل وحتى تقطيعه والسبب في ذلك، هو افتقار الخبازين إلى المهنية والخبرة في صناعة الخبز. ويتحول جل الخبز الجزائري إلى "كاويتشو" ساعات فقط بعد خروجه من الفرن مما يصعب من عملية مضغه، ليكون مصيره الإلقاء به في القمامة أو تأكله المواشي. كما يلاحظ أيضا عدم التزام النسبة الأكبر من الخبازين بالمقاييس الدولية التي تدخل في صناعة الخبز.فهميجهلون المكونات التي يجب أن تدخل في صناعة الخبز الذي ينبغي أن يتضمن عناصر ومكونات تحول دون تلفه السريع، بحيث أن الخبز في الدول الأوربية يصمد لأيام ويحافظ على شكله ومذاقه. لكن الخبز الجيد يتطلب يد عاملة مؤهلة ونوعية دقيق جيدة بالإضافة إلى المحسنات، مما يجعل تكلفة صناعة الخبز مرتفعة لكن الدولة تسقف سعر بيع هذه المادة. والحقيقة أن هذه المعادلة أصبحت لا تجدي نفعا بسبب سياسة الدعم الحكومي المنتهجة منذ سنوات طويلة، وهي مع الأسف تشجع على التوسع في استهلاك المواد الغذائية المُدعمة من قبل الدولة إلى حد الإفراط والتبذير، كما أنها ترفع من ظاهرة المضاربة غير المشروعة والتهريب.
وتُكلف سياسة الدعم الاجتماعي خزينة الدولة 5872مليار دينار جزائري أي ما يُعادل 43 مليار دولار وهي تشكل 35% من اعتمادات ميزانية 2025، ولهذا تعالت الأصوات المطالبة برقمنة معطيات إستهلاك المواطنين والتدقيق في الدعم المباشر.
نظام الدعم الحالي يكبد الخزينة أموالا باهضة
ويتميز نظام الدعم الحالي بتغطية مجموعة واسعة من السكان ، بما في ذلك أولئك الذين لا يحتاجون بالضرورة إلى الدعم ، مثل الأشخاص الذين يتحصلونعلى الحد الأدنى للأجور أو رجال الأعمال والأغنياء. فالحكومة تفتقر لنظام فعال يستهدف الفئات المعوزة والأكثر هشاشة.
ولقد كشفت عدة دراسات أنالمجموعات ذات الدخل المتوسط والمرتفعتستفيد أكثر من الإعانات وبشكل غير متناسب وبالتالي فهي غير فعالة كأداة للحماية الاجتماعية مما يكرس عدم المساواة . وتشير الإحصاءات المتاحة إلى أن أغنى الأسر تستهلك مقارنة بأفقر الأسرستة أضعاف منتجات الطاقة المدعومة ،أي 61 ٪ من الكهرباء المدعومة ، و 58 ٪ من المياه المدعومة و 8 ٪ من المنتجات الغذائية المدعومة. في نهاية المطاف ، أغنى الأسر هي المستفيد الرئيسي من الإعانات و وبالتالي فهو نظام غير عادل. وللتذكير تغطي سياسة دعم المواد الغذائية الخبز ، وبعض المنتجات الثانوية من القمح الصلب والشعير ، والحليب المبستر الذي تم إعادة تشكيله من الحليب المجفف ، وزيت الطهي المكرر والسكر الأبيض المتبلور والقهوة. وتغطي الدولة الفرق بين تكلفة السوق للمواد الخام وأسعار الجملة المنظمة.
إصلاحات الدعم المباشر صعبة ومعقدة
استنادًا إلى التجارب الدولية ، يعني الإصلاح الحكيم للإعاناتالتحضير الدقيق بنهج تدريجي وإصلاح واسع وشامل (بما في ذلك توفردراسات دقيقة في نظام الحماية الاجتماعية) في العمق ، العمل مع السكان الذين يدركون أيضًا الحاجة إلى التكيف مع الحقائق الجديدة للبلاد،مع أتخاذ تدابير الدعم لتخفيف التأثير على الطبقات الضعيفة من السكان في سياق اقتصادي وسياسي مناسب مع الإعتماد على الخبرة لتصميم وتنفيذ ومراقبة هذه الإعانات المباشرة، وذلك بالإعتماد على أدوات إحصائية موثوقة. ويجب التخلي عن نظام الإعانات الشاملة لصالح نظام دعم أكثر استهدافا للأسر ذات الدخل الضعيف. كما يجب إعطاء الأولوية الفورية لأغلى الإعانات التي تؤثر على الأسر ذات الدخل المنخفض.
يعتمد نظام الدعم الشامل و هو موروثمن الاقتصاد المسير الذيانتهجته الجزائر منذ استقلالها في عام 1962 ، عل ركيزتين: من ناحية ، "التحويلات الاجتماعية" ، والفوائد الاجتماعية التي تسمح لجميع الجزائريين ، مهما كان دخلهم ، الإستفادة من التعليم والرعاية الصحية بصيغ مجانية ،وتوفير السكن بسعر زهيد للغاية. ومن ناحية أخرى ، فإن الإعانات من المنتجات والخدمات الأساسية (الخبز ، السميد ، السكر ، النفط ، المياه ، الكهرباء ، الغاز ، النقل ...) فهي لصالح جميع الجزائريين ،الأثرياء والفقراء.
يجب التنبيه أيضا أنه بالإضافة إلى كل مظاهر الإسراف والتبذير التي تطالمادة الخبز وكل المواد المدعمة، فقد تم الاستنتاج وبالعودة إلى المختصين ان الخبز الأبيض الذي نتناوله ليس صحيا، بل إنه وراء العديد من الأمراض التي أصبحت تميز الجزائريين على غرار القولون وأمراض المعدة والهضم . وعليه فمن الضروري ان يستغني الجزائري وبشكل تدريجي عن الخبز الأبيض مع العودة إلى "المطلوع" وخبز الطاجين المصنوع من دقيق القمح الصلب أو السميد باعتباره مغذيا أكثر كما أن بساطة تحضيره وخلوه من المواد الكيماوية المضافة تجعله أكثر صحية .
وكان السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون قد صرح في عدة مناسبات بأنه بات "من غير المعقول ان تستورد الجزائر القمح ليتم بعدها تبذير الخبز".
و اعتبر أن هذا التبذير يعد "اهدارا للعملة الصعبة" موضحا في هذا السياق: "رصدنا تبذيرا العام الماضي يخص رمي أطنان من الخبز قدرت بـ 350 مليون دولار وهذا أمر غير مقبول".على حد تعبير رئيس الجمهورية، لأن مثل هذه التصرفات من شأنها أن تهدد الأمن الغذائي للبلاد. ويذكر أن الجزائر تستورد سنويا 2ر6 مليون طن من القمح اللين. لكن كمية كبيرة من هذا القمح تذهب للقمامات وبطون المواشي. وعليه، من الضروري أن تعكف الحكومة على تحضير نموذج لنظام جديد يسير سياسة الدعم، يعتمد على طرق عصرية تجعل هذا الدعم يذهب مباشرة للأسر المعوزة لتفادي كل أنواع التبذير والمضاربة والتهريب لأن مساواة الدعم بين الغني والفقير في حد ذاتها غيرعادلة وتكبد خزينة الدولة أموالا باهضة.