26 سبتمبر 2021
26 سبتمبر 2021 °C

تكريم ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في الإسلام

+ - 0 قراءة

 إنّ مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة (أو ذوي الهمم) يشمل أشخاصًا ابتلاهم الله تعالى بأن أفقدهم شيئًا من قدراتهم أو حواسهم أو عجزوا عن القيام بمصالحهم بسبب الكبر أو المرض المزمن الّذي حلّ بهم، فأصبحوا عاجزين عن الحركة والعمل والكسب أو العطاء كغيرهم من النّاس، ما جعلهم في حاجة إلى رعاية وعناية خاصة من أقربائهم ومن المجتمع الّذين يعيشون فيه.

إنّ اهتمام أيّ أمّة من الأمم بفئة غير العاديين وبذوي الاحتياجات الخاصة يُعدّ من المؤشرات الحقيقية على رُقيِّها وتقدّمها الحضاري وإنسانيتها، والمجتمع الإسلامي سبَّاق في هذا الميدان انطلاقًا من التّكافل الاجتماعي، وباعتبارهم جزءا من جسد هذا المجتمع الّذي تتداعى له سائر أجزائه لما يصيب كلّ عضو من أعضائه، وعاملهم الدّين الإسلامي على أساس المساواة ولم يهضم حقوقهم ودعا إلى احترامهم ومخالطتهم ومساعدتهم، ورفع من منزلتهم وقدر حقوقهم.

وتعدّ رعاية المعاقين من أعمال الخير ذات الطابع الإنساني الّتي أصبحت في العصر الحديث مجال اهتمام العالم وعنايته، الّذي تركّزت جهوده في تأهيلهم والتّخفيف من معاناتهم، والعمل على اندماجهم في المجتمع والحياة العامة ورعايتهم.

إنّ الشّريعة الإسلامية بنت موقفها من المعاقين على أسس متميّزة تتمثّل في حفظ كرامتهم واعتبارهم فئة من خلق الله المكرمين {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، وأنّ قيمة الإنسان إنّما هي في تقواه وعمله الصّالح لا في سلامة أعضائه أو شكله، ولا ينظر الإسلام إلى الإعاقة من خلال منظور الطبقية والاقتدار والتمكّن والأفضلية فإنّ الله سبحانه لا ينظر إلى صورنا وأشكالنا ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، هذا ولقد قرّرت الشّريعة الإسلامية للمعاق حقوقه وواجباته، وأوجبت الرعاية والاهتمام به.

لقد جاء القرآن الكريم على ذكر ذوي الأعذار بصفات شتى، مثل قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}.

والعناية بذوي الاحتياجات الخاصة فرض عين على مَن تجب عليه كفالته، وفرض كفاية على المسلمين، وإنّ العناية بالمعاق والقيام بأمره من فروض الكفايات على الأمّة إذا قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين وإذا لم يقم به أحد كان الجميع آثمين.

ولقد كان الخلفاء الراشدون والحكام كأفراد يتنافسون في إنشاء المدارس وبيوت الحكمة لتعليم ورعاية المرضى والعجزة والفقراء والمحتاجين، ويرصدون الممتلكات والأراضي للإنفاق عليها وصيانتها وسدّ مطالبهم، وقد روعيت هذه الطريقة أيّام العباسيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين لضمان معاش المرضى والمشرفين عليهم وطمأنتهم، فأنشأوا البيمارستانات والمشافي والمعاهد ورصدوا لها الأموال فأصبحت هذه الدور مؤسسات اجتماعية وتعليمية تعين الفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة.

وتاريخنا الإسلامي مليء بالجهود الفردية في هذا المجال، وخير شاهد على ذلك تلك الأوقاف المتنوعة الّتي خدمت بشكل كبير فئات محتاجة للمساعدة والعون، ولقد تعدّدت صور الأوقاف، كما تفنّن المسلمون الأوائل في تخصيص أوقافهم: ومنها أنّ من أوقافهم مؤسسات لإمداد العميان والمقعدين بمن يقودهم ويخدمهم.

ولمّا كان الأفراد في المجتمع الإسلامي كالأعضاء في الجسد الواحد فمن الطبيعي أن ترتبط سعادة المجتمع واستقراره بسعادة الأفراد واستقرارهم، والمعاقون والعجزة ونحوهم من المرضى والمصابين هم أعضاء في المجتمع لا يتعافى المجتمع ما لم يُعِنْهُم على آلامهم ويقف إلى جانبهم في مواجهة مشاكلهم، ويكفل لهم السّبل المؤدية إلى توفير حاجاتهم ومستلزماتهم وضروريات حياتهم.

إنّ مسؤولية وليّ الأمر المسلم عن الرعية تشبه مسؤولية وليّ اليتيم عن اليتيم، وذلك من حيث قيامه على مصالحه ورعايته لشؤونه وصرف المال فيما هو أنفع له مع ترتيب الأمور بحسب أهميتها الأهم فالمهم، وهكذا. وفي المقابل الاجتهاد في إبعاد كلّ ما فيه ضرر متوقع عليهم. ولذا قال الفقهاء في القاعدة الفقهية: “تصرُّف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”.

ويقرّر الإسلام أنّ مسؤولية رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة بتوفير مستلزماتهم وأسباب الحياة اللائقة لهم لا تقع على عاتق أسرهم وأولياء أمورهم وحدهم، وإنّما هي من فروض الكفاية الّتي يشمل إثم التقصير فيها غيرهم من أفراد المجتمع.

ولا تقتصر حقوق المعاقين في المجتمع على توفير أسباب الحياة الكريمة لهم في المأكل والملبس والمسكن والدواء، بل تشمل أيضًا السّبل الّتي تعينهم على الاندماج في المجتمع، وتسهّل عليهم الوصول إلى الخدمات العامة فيه للاستفادة منها، وتحقّق لهم كلّ ما يساعد على ممارسة حياتهم بصورة طبيعية أو قريبة من ذلك ما أمكن.

كما يجب إزالة الحواجز المادية الّتي تحول بينهم وبين المشاركة في الحياة الاجتماعية والاستفادة من المنافع العامة، وذلك بتصميم المباني والمرافق العامة والمصانع والمؤسسات التعليمية والمستشفيات والمطارات والمكاتب الحكومية وأماكن الترويج ونحوها من الأماكن الّتي تقدّم خدماتها للجميع على نحو يراعي الاحتياجات الخاصة لهذه الفئة، وكذلك الحال بالنسبة لوسائل النقل العامة ينبغي تجهيزها بما يسهل عليهم استخدامها بتوفير المصاعد والسلالم والمزالق الخاصة.

وأوصي في الختام بأن تقوم وسائل الإعلام بمساندة المعاقين وتلبية احتياجاتهم والاهتمام بقضاياهم، وضرورة تكثيف الجهود الإعلامية لتوعية النّاس وحثهم على الاهتمام بهذه الفئة الخاصة من المجتمع، والوقاية من الأمراض الّتي يتسبّب الإهمال في علاجها الإصابة بالإعاقات المختلفة.

شاركنا برأيك