26 سبتمبر 2021
26 سبتمبر 2021 °C

تجربتي المهنية الفريدة مع "الخبر"

+ - 0 قراءة

حين صدر العدد الأول من جريدة "الخبر"، يوم 1 نوفمبر 1990، كنتُ في سن الثالثة والعشرين، فاقتنيتها كقارئ. وها أنا اليوم أحتفل بصدور العدد 10 آلاف، وقد قضيتُ فيها كصحفي 31 عامًا.

لم أعرف في حياتي المهنية سوى جريدة "الخبر". وباستثناء بضعة أشهر قضيتها في صحيفة عمومية سنة 1989، فإن "الخبر" هي كل حياتي المهنية. التحقتُ بقسمها الثقافي كمتعاون صحفي يوم 3 نوفمبر 1990. وجدت الصحفي القدير حمزة تلايلف رئيسًا للقسم الثقافي ومعه تعلمتُ الكثير. لم أكن أعرف آنذاك أبجديات الكتابة الصحفية، إذ درستُ العلوم السياسية في الجامعة، وكانت الكتابة الصحفية تعني بالنسبة لي كتابة المقال الأدبي. ومع حمزة تلايلف تعلمتُ طريقة الكتابة الصحفية التي تختلف عن الكتابة الأدبية، ولو أنها تعتبر جزءا منها.

كانت "الخبر" بالنسبة لي مدرسة فريدة، قدمت لنا، نحن الصحفيين الجدد الذين التحقوا بها مباشرة بعد الدراسة الجامعية، فرصة العمل والتكوين في ظروف استثنائية، إذ سايرت "الخبر" تحولات سياسية عميقة عرفت تغييرات جذرية سمحت للممارسة الصحفية بأن تتحرر وترتقي وتكتسي طابعا أكثر مهنية، بعيدا عن سلطة السياسي وأعين الرقيب، وتخوض تجربة التعددية الإعلامية بقناعة ووعي بالموازاة مع تعددية سياسية فتية، رافقتها أجواء تاريخية من حرية التعبير وإبداء الرأي وفتح النقاشات العامة التي شارك فيها المثقفون، حول قضايا المجتمع والدولة والتاريخ، وذلك عبر الصحف الجديدة التي سميت آنذاك بالصحف المستقلة، ومن بينها "الخبر" التي أخذت على عاتقها مهمة الدفاع عن كل القيم التي برزت بعد الانفتاح الديمقراطي لما بعد أحداث أكتوبر 1988، من بينها الديمقراطية والتعددية وحرية التعبير والرأي.

كجيل جديد، كنا نؤمن بهذه الأفكار. فقد فتحنا أعيننا عليها، وكانت بمثابة حلمنا الكبير. كنا نفتخر بالعمل في جريدة اسمها "الخبر"، حملت على عاتقها مشروع الدفاع عن التعددية. كان يحذونا استعداد للمشاركة في تكريس تلك القيم والمساهمة في تحويلها إلى ثقافة تنغرس عميقًا، بعد أن يدافع عنها المجتمع المدني برمته ويتبناها ويعتبرها من المكتسبات التي لا رجعة فيها. كنا نؤمن كذلك بأن التطرف هو الخطر الوحيد الذي يهدد هذه الديمقراطية والقيم التي تقوم عليها، فيولد الانهيار والفواجع. لذلك تأسس وعينا آنذاك على نبذ كل ما قد يعيق هذه التجربة الديمقراطية الفتية، ويرهن قيامها وتشكيلها وبروزها ووثبتها، في وقت كان العالم برمته يتجه عقب سقوط جدار برلين ونكسة الفكر الأحادي، نحو التعددية، إعلامية كانت أو سياسية.

كانت "الخبر" في خضم هذه التحولات الجذرية، تحظى بثقة القراء، من منطلق هذه الاستقلالية التي كانت تتمتع بها، والحرية التي تدافع عنها، لكن أيضا من منطلق اقترابها من هموم المواطنين، ومن معاناتهم اليومية. كانوا يشعرون بأنها "الجريدة" التي لن تخذلهم إطلاقًا، بمجرد نقل تلك المعاناة والكتابة عنها، وإيصال الصوت البعيد القادم من ذلك العمق الجزائري. وهذا ما جعل "الخبر" جريدة محل اهتمام النخبة المثقفة من جهة، بفضل السير على درب الدفاع عن قيم الديمقراطية وحرية التعبير وإبداء الرأي، وفي نفس الوقت كانت قريبة من المواطنين في الجزائر العميقة. لهذا كانت بمثابة مشروع إعلامي راح يكتسح الفضاء الاجتماعي شيئا فشيئا، بمجرد أنه عرف كيف ينظر أفقيًا (على مستوى العمق الاجتماعي)، وعموديًا (على مستوى النخب المثقفة). وعقب مرور بضعة سنوات فقط، بعد أن وصل رقم سحب الجريدة أعدادا لم نكن نتخيلها أبدا ولا نتصورها، تأكدنا يقينا بأن من يتبنى شعار "الصدق والمصداقية" ويبني عليه مشروعه الإعلامي، سيكون مصيره النجاح والانتشار الواسع.

هكذا مرت السنوات مسرعة وهرمنا مع مرورها. وتبقى "الخبر" بتاريخها الكبير، بمثابة التجربة التي لن أندم عليها أبدا، وأشعر بالفخر أنني كنتُ أحد طواقهما الأولين مع المرحومين عمر أورتيلان الذي اختارني سنة 1995 لتولي منصب رئيس القسم الثقافي، وعثمان سناجقي الذي عرف كيف يُخرج منا الأحسن والأفضل، ويحثنا دائما على الرقي، فرحمة الله عليهما وعلى كل الذين فقدتهم الجريدة، فهم حاضرون في الذاكرة دائما، حتى ولو لم أذكرهم بالأسماء.

 

شاركنا برأيك