هكذا ستكون واجهة خليج الجزائر قبل 2030

+ -

يكشف المجسم الافتراضي للواجهة البحرية للعاصمة، أنها ستمتد على نحو 50 كم تأخذ شكل فضاء للنزهة يعج بالحياة، ممتد على ضفاف البحر، تستوي فوقه أماكن حضرية، كالشواطئ، فضاءات للنزهة وأخرى للعب والترفيه، مسابح، مرافق عامة وخدمات، في إطار المخطط الاستراتيجي لتهيئة مدينة الجزائر في أفق 2030.

ضمن هذا المخطط، يرى الساسة في الجزائر إعادة تأهيل وجه العاصمة ثقافيا وسياحيا وترفيهيا؛ بجعل بعض المعالم الأساسية واجهة للعاصمة كانجاز مكتبة عربية جنوب أمريكية، أكواريوم، متحف لإفريقيا، قاعات فخمة للعروض الثقافية، مارينا، فضاء جديد للمعارض الدولية وأحياء خاصة بعدة رياضات ومحطة جديدة للمسافرين، كل ذلك لجعل العاصمة ضمن المدن ل5 الأولى في البحر المتوسط.

من مسمكة العاصمة قبالة الأميرالية إلى ساحة ميناء الصيد، كان نبيل، القادم من فرنسا، وهو أحد أفراد الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج، يلتفت يمينا وشمالا، كأنه لم يستوعب ما تراه عيناه بعد أن اختفت الجدران والبنايات التي كانت تقف سدا منيعا في وجه من يحاول الوصول إلى البحر، وبات اليوم الوصول إلى ميناء الصيد مفتوحا للزوار.

 

إعجاب..

 

ويقول "لقد اكتشفنا في جولتنا الجانب الأثري والسياحي الواقع بمحيط محطة المترو بساحة الشهداء مرورا بالأقبية (voûtes) ثم ساحة ميناء الصيد، إنه وجه جديد للواجهة البحرية أخد في التشكل..". ما لحظناه، أن الأشغال بساحة ميناء النزهة والصيد المستوية على مطعمين ومقاعد خشبية وأخرى من رخام، متواصلة لكسر مزيد من الجدران والبنايات ليأخذ ميناء النزهة والصيد حقوقه الكاملة، ليسمح بتدفق مزيد من الزوار إلى البحر، فهي ساحة ستربط أيضا شارع زيغوت يوسف بالأقبية الموروثة عن الحقبة العثمانية وأسطح بنايات الميناء وباقي الشرفات، في مسعى إعادة ربط القصبة السفلى بالبحر، إلى جانب جسر للمشاة يربط الشارع المذكور بالمسمكة في إطار تهيئة شرفات العاصمة، التي ستشمل سطوح عديد البنايات داخل الميناء وأخرى في محيطه.

 

 

ويهدف المخطط الاستراتيجي لتهيئة وتحديث مدينة الجزائر في أفق 2030 في مراحله الأولى، تهيئة الواجهة البحرية انطلاقا من ساحة كيثاني بباب الوادي إلى الصابلات، يشمل مسابح، مرافق استجمام، شاطئا اصطناعيا يتربع على هكتار، فضاءات للعب، مساحات خضراء، مرافق عامة، طريقا مخصص للدراجات وآخر للرياضات، كل ذلك لأجل إعطاء وجه جميل لخليج الجزائر الذي يرتقب أن تمتد صورته الجديدة المهيأة على طول 50 كم، أي إلى الرغاية بشرق العاصمة.

 

البحر.. امتدادنا الحقيقي..

 

والحاصل، أن إعادة تهيئة الواجهة البحرية للعاصمة، يعني استعادة ثقافة البحر لحقوقها بالجزائر وعقد سلام الصلح معها، لأن البحر المتوسط يشكل أحد الامتدادات الحقيقية للجزائر كفضاء للتبادل والتعايش مع الآخر والخروج من الأطر الضيقة التي كرستها الثقافة المحلية التي انكفأت على نفسها وتحولت إلى (قيطو). ويعني ذلك، أن تحديث العاصمة كواحدة من مدن المتوسط، يفترض أن يتم ضمن رؤية شاملة تأخذ فيه مدينة الجزائر بعد (المدينة الكوسمو بوليتية) أو العالمية.

يحدث ذلك في وقت تحولت فيه العاصمة إلى مثروبول، تضم ولايات، الجزائر، البليدة، بومرداس، تيبازة.. بينما تشكل مدينة الجزائر مركزه، لكنها تعاني من عدة اختلالات لم تستطع أدوات التهيئة والتعمير تسييرها، لذلك ظهرت مخططات جديدة للتسيير، بينها مخطط تنمية وتهيئة فضاءات الحواضر الكبرى SDAAM))، كمبادرة لمشروع حضري سياسي ذي بعد استشرافي لتحديث العاصمة والحواضر الكبرى بهدف إدماجها في المنافسة الأورومتوسطية بإشراك جميع الفاعلين. ويشمل مخطط تهيئة وتنمية فضاءات الحواضر الكبرى، تحديث العاصمة، تهيئة واد الحراش وتهيئة خليج الجزائر (الواجهة البحرية). ونتيجة لذلك، تم إدراج مدينة الجزائر ضمن إطار واسع للتفكير في تطوير وعصرنة نسيجها الحضري لأجل الوصول إلى المراتب الخمس لمدن البحر المتوسط (Top 5).

 

 

ومع أن الساحة الجديدة المهيأة بميناء الصيد، تحولت إلى نقطة جذب غير مسبوقة للعائلات، وأصبحت واحدة من المكاسب الحضرية المطلة على البحر، إلا أن الزائر بوسعه اكتشاف قصر التصور في التخطيط لمثل هذه الفضاءات، إذ أن الرصيف الخاص بميناء الصيد لم يحاط بأدوات السلامة والأمان، فهو على حالته الحالية يشكل خطرا كبيرا على الأطفال وباقي الزوار، خصوصا إذا كان عمق الرصيف على عدة أمتار.

 

إعادة الحياة لخليج ميت..

 

واستنادا إلى مقالات بعض المهندسين ومختصين في التهيئة الحضرية صدرت بالمجلة المتخصصة "vies de villes"؛ فإن المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير للعاصمة، الذي هو جزء من المخطط الاستراتيجي لتهيئة ولاية الجزائر، عهد إلى مكتب دراسات برتغالي (parque expo)، المختص في مشاريع التخطيط والتجديد الحضري. فيما أسند مشروع تهيئة الواجهة البحرية إلى وكالة فرنسية أو مكتب دراسات فرنسي (ARTe charpentier).

ويتضمن المخطط التوجيهي لتهيئة الواجهة البحرية، انجاز فضاء للنزهة يمتد على طول 50 كم، أي يصل إلى الرغاية بشرق العاصمة، أي فضاء عمومي غير مسبوق في التهيئة على ضفاف البحر.

وظل الشريط الساحلي العاصمي، منذ الاستقلال إلى غاية اليوم، فقيرا للفضاءات الحضرية على ضفاف البحر، كالشواطئ، منتزهات، فضاءات اللعب وخدمات تجارية. فالعارفون بالهندسة المعمارية والتهيئة الحضرية في فرنسا واسبانيا وايطاليا، وحتى في المغرب وتونس وعدد من دول الخليج، يعترفون بأن الواجهة البحرية للعاصمة الجزائرية، تعد من أجمل الواجهات البحرية في العالم، لكنها ظلت تواجه الإهمال واللامبالاة، وكان يفترض أن تستعيد حقوقها من الجمال منذ مدة. فعندما صنف (موريتي) العاصمة الجزائرية كثاني عاصمة في البحر الأبيض المتوسط بعد برشلونة، احتج المهندسون وحتى بعض الساسة في ايطاليا ولم يستوعبوا تفوقها على مدينة (نابولي)، بل وحازت العاصمة الجزائر على جائزة السعفة الذهبية في عاصمة البيرو (ليما) سنة 1956.

 

 

ففيما حرص الاستعمار الفرنسي على إضفاء اللمسة الأوروبية على مدينة الجزائر، ولاسيما من جانب البعد الهندسي المعماري (لمسات المهندسين شاسيريو وهوسمان وفريقهما)، وإخفاء البعد الآخر للمدينة وتحطيمه المتمثل في الطابع الإسلامي والموريسكي، بغلق جسور ومنافذ تواصل القصبة مع البحر، ساهمت الثقافة المحلية والسياسات المتعاقبة أيضا في جعل البحر متمنعا ومختبئا عن ساكنة العاصمة، وبدت المدينة كما لو أنها أدارت ظهرها للبحر، بفعل الجدران والأسوار وإقامة وحدات صناعية وطرقات وسكة حديدية، تحول دون الوصول إلى البحر، تطل عليه من شرفاتها، ولكنها محرومة من الوصول إليه.

 

لا مكان لناطحات السحاب..

 

وفي غمرة بروز مؤشرات هامة على طريق تهيئة الواجهة البحرية للعاصمة، بينها فتح ميناء الصيد والنزهة للزوار بعد كسر جدران وهدم بنايات وتهيئة ساحة بأكشاكها وكراسيها، في انتظار تواصل أشغال التهيئة باتجاه الصابلات، يتساءل بعض من أبناء العاصمة على منصات التواصل الاجتماعي، عن سبب عدم استعانة ولاية الجزائر بمكاتب دراسات أجنبية ذات خبرة في تهيئة الواجهات البحرية وذات لمسة فنية، على نحو تلك الواجهات الموجودة في قطر والإمارات التي تضم أبراجا وناطحات سحاب، لكن مكتب الدراسات الفرنسي (ARTE charpentier)، يرى أن الواجهة البحرية للعاصمة الجزائرية تكتسي طابعا خاصا وليست بحاجة لاحتضان ناطحات سحاب.

 

 بلديات العاصمة.. والمشروع..!

 

وأبعد من ذلك، يتساءل بعض من أهل الاختصاص في التهيئة الحضرية بالجزائر: "هل التهيئة الحضرية للواجهة البحرية وتحديث وعصرنة مدينة الجزائر، تتم حاليا في إطار الحوكمة التشاركية المفترض أن ينخرط فيها بلديات ومنتخبوها المحليون، وحتى التنسيق بين مختلف المصالح التقنية، أم أن الإدارة المركزية هي من تنفرد بهذا المشروع..؟".

بينما يشير ملاحظون إلى أنه بات واضحا أن عديد المتدخلين المفترضين من رؤساء البلديات وحتى المواطنين ليست لهم صلاحيات للمشاركة في انجاز المشروع. ويقود هذا الوضع للتساؤل: هل رئيس البلدية يمارس سلطته بشأن التنمية الحضرية المحلية في إطار هذا المشروع، وهل المواطن له دور في هذا المشروع (المجتمع المدني)، عملا بما يسمى الحوكمة التشاركية، خصوصا وأن المهندس المختص في الشؤون الحضرية محمد سرير يقول "إن البرامج السكنية المسجلة بشكل واسع في إطار سياسة حضرية وتستجيب لمعيار المدينة، يجب أن يتم تحليلها في إطار الإرادة الموجهة لتغيير الصورة الدولية للعاصمة الجزائرية..".

مع أن الوالي السابق لولاية الجزائر محمد الصغير عدو، كان أشار إلى أن تهيئة الواجهة البحرية يعد محرك التنمية ومغير صورة العاصمة وستشارك فيه كل الأطراف، بدليل أن "ولاية الجزائر نصبت منذ 2005 لجان المساهمة (co ville) عبر 57 بلدية، بهدف إشراك المواطن في تحديث العاصمة في إطار إشراك المجتمع المدني في التنمية المحلية..".

 

 

المدينة والمواطن العالمي..

 

ونقول: إن المواطن وفي إطار التسلح بثقافة المدينة، مطالب بالارتقاء بمواطنته إلى مستوى (المواطن الكوسموبوليتي)، آي العالمي، لا يجب أن ينسى امتداده الحقيقي في فضاء البحر الأبيض المتوسط والخروج من ثقافة (القيطو) التي كرست (ذهنية الحومة)، وهذا مسلم وهذا غير مسلم، يعرف ما هي رهانات المدينة في إطار التبادل والتعايش مع الآخر ضمن عولمة لا تبقي ولا تذر.

وتشمل عملية تهيئة الواجهة البحرية نحو 40 مشروعا، منها تهيئة المركز التاريخي، بينها عدة أحياء منها ساحة الشهداء والأميرالية، ميناء الصيد البحري الذي يشمل ما يسمى منتزه الاستقلال، إعادة تثمين المعالم الأساسية للعاصمة وإقامة حظائر فلاحية (agr parcs)، التي ستأخذ شكل أحزمة خضراء حول 23 حيا عمرانيا من ضواحي العاصمة لوقف التوسع الإقليمي للعاصمة، إعادة تأهيل مركز المدينة، بخفض وتقليص اللامساواة الاجتماعية والفضائية، بتحسين الإطار المعيشي لجعل المدينة مركز جذب في مجال الاستثمار، تهيئة السطوح والشرفات.

 

 

وفي إطار المخطط الأزرق الهادف لإعادة مد جسور بين ساكنة العاصمة والبحر أو مصالحتها مع البحر، يجري حاليا انجاز جسر لربط حديقة الحامة وساحل البحر بالصابلات الذي سيكون بدوره فضاء مفتوحا للراجلين والدراجات الهوائية، يمتد على طول 5 كم إلى غاية ضفاف واد الحراش، وعلى مقربة منه تجري حاليا أشغال تهيئة محيط الجامع الأعظم لربطه بالبحر، ليكون واحدا من أبرز المعالم الأساسية الدينية والسياحية للواجهة البحرية.

 

رد الاعتبار للسطوح والشرفات..

 

وتكتسي عملية إعادة تهيئة وتأهيل عديد السطوح ببنايات ميناء الجزائر وأخرى بمحيطه ورد الاعتبار لحزام واسع من الشرفات، أهمية بالغة، على اعتبار أن عديد الشرفات تم استغلالها في ظل ملابسات عديدة وحولت بطرق غير قانونية إلى مطاعم وحانات وغرف للنوم وأخرى كمستودعات للسلع، رغم أنها تقدم إضافة فنية للجانب المعماري العاصمي.

 

 

فيما يمثل سطح العمارة أو البناية على مقربة من البحر، فضاء جماليا وإنسانيا يوفر فرص التفاعل الاجتماعي، بل قد يتحول إلى سياق اجتماعي ومكان استرخاء يستقبل فيه الضيوف والأصدقاء واكتشاف سحر المكان المطل على البحر الأبيض المتوسط، إذ أن الشعور بعدم الانتماء الفعلي للمكان جعل السطوح عرضة للإهمال.

 

سيتم تأهيلها ثقافيا وسياحيا..

 

ويتضمن المخطط الاستراتيجي لتنمية وتهيئة مدينة الجزائر في أفق 2030، إعادة تأهيل المدينة من الناحية الثقافية والترفيهية والسياحية، ويمر ذلك عبر انجاز معالم أساسية تضاهي في شموخها المسجد الأعظم لدعم الصورة الدولية الجديدة للواجهة البحرية، مثل انجاز فضاءات للمعارض الدولية، وفق ما يتحدث عنه بعض المهندسين، وقاعات كبرى وفخمة للعروض الثقافية، مكتبة عربية جنوب أمريكية وأكواريوم ومتحف لإفريقيا ومارينا، إلى جانب محطة مركزية للمسافرين، يقال إن أرضيتها اختيرت ببراقي.

 

قطب اقتصادي..

 

ويعكس التصريح الذي قال فيه وزير الداخلية والجماعات المحلية أثناء تفقده جانبا من أشغال تهيئة الواجهة البحرية: "إن الواجهة البحرية للعاصمة ستصبح من أجمل الواجهات في العالم.."، يعكس حرص السلطات على المضي على نحو جدي في الارتقاء بالصورة الجديدة للعاصمة إلى مصاف العالمية، خصوصا وأن الشق المتعلق بالتهيئة الحضرية، أي تحديث العاصمة، يهدف أيضا إلى جعل العاصمة منطقة جذب كبرى للاستثمارات، أي قطبا كبيرا للاقتصاد الوطني، يخلق الثروة، ضمن خطة الخروج من متلازمة النفط، بمعنى جعلها المحرك المستقبلي للاقتصاد بالنظر للمشاريع الحضرية والبنيات التحتية التي ستتوفر عليها، ولو أن الأمر يقود لطرح تساؤل أكبر عن نوعية مكاتب الدراسات المؤهلة لتنفيذ هذا المخطط ومتابعته ومراقبته.